ربما يرى البعض منَّا تلك الحياة بمنظور دينى بحت ، فقد خلقنا للعبادة كما يدَّعون ، لذا وجب المحافظة على الصلاة فى أوقاتها و آداء أعمدة الدين ، و هذا ما يثير سخريتى منهم ، فالله سبحانه و تعالى خلق البشر للعبادة و التعمير ، و خلق الأركان كى تكون أساس البناء الذى يقوم عليه شخصية أى فرد و ليس كل البناء ، فما بنى الإسلام عليه كفيلاً بالجنة و لكن ليس كفيلاً للفردوس.
و هكذا أنا أشبه ذلك الموقف الدينى بدنيانا ، فمعظمنا يفكر فى الآتى : إزاى هجيب تقدير علشان لما أكبر أشتغل و أبنى بيت و أفتح [ مكان العمل ] و أتجوز و أبقى غضنفر فى بيتى ، فمن يفكرون بتلك الطريقة مثلهم كمثل من يفكر فى كيفية دخول الجنة و كفى فيقول "لن أبحث عن الفردوس فالجنة كافية و الحمد لله" ، فمن يفكر فى العيش بتلك الطريقة سينال ما يريد و لكن ستكون تلك الحياة روتينية ، بلا بصمات و لا تأثير فى نفس صاحبها و لا فى البيئة المحيطة به.
قد يظن البعض أنى أفكر بنظرة مروجى سخافات التنمية البشرية ، و لكن إن تأملت ما أريد ، تعلم أنى أنظر إلى الحياة بنظرة فلسفية و هى أن العمر كالطريق الذى يشكله صاحبه ، فمن الصعب أن تشعر بملذة و عظمة هدف منشودٍ لك لو سرت للوصول إليه على قدميك فى طريق مستقيم بلا عقبات تجعلك تشعر بقيمته أو قيمة شخصك حين تصل إليه ، فعظمة أى هدف فى ذلك الكون تكمن فى صعوبة الوصول إليه ، فمن السهل أن أصبح طبيباً و لكن من الصعب أن أصبح باحثاً متميزاً أو مكتشف لنظرية ما فى مجال الطب.
كلنا ينظر نظرة إجلال و تعظيم إلى العلماء و المفكرين و الكُتَّاب لكونهم علماء فى مجالاتهم لا لكونهم الأشخاص الذين برزوا فى مجتمعاتهم لأنهم الأقلية الذين تيقنوا أن الحياة ليست روتيناً ثابتاً و فهموا أننا نعيش مرَّة واحدة و نكبر مرَّة واحدة لذا ففرصة استغلال قدراتنا و تحقيق أهدافنا و تغيير مجتمعاتنا هى فرصة واحدة .
و لعلى أتطرق إلى نقطة هامة و هى أننا ننبهر فى الغالب عندما نسمع عن " المخترع الصغير " ، " أصغر كاتب فى العالم" ، " لاعب صغير السن صنع أرقاماً خيالية فى وقت قياسى و أصبح الأفضل فى العالم " ، فهؤلاء البشر فهموا معنى الحياة ، فهموا أننا لا يجب أن نضيق على أنفسنا فى طريق واحد مستقيم بلا عقبات فمن يبرز فى كدة القدم مثلاً و هو فى السادس و العشرين ليس كمن يبرز و هو فى الثامنة عشر ، فهموا أن ملذة تلك الحياة فى التغيير و صنع المجد فى سنٍ صغير ، لذا باتوا يعملون على أن يصبحوا مختلفين لا روتينيين.
حياتك واحدة ، فرصتك واحدة ، لا تجعل حلمك هو بناء بيت أو الزواج ، فتلك هى حقوقك ، و لكن احلم و اعمل دوماً على أن تصبح صاحب البصمة فى مجتمعك ، رسِّخ فى نفسك ذلك المبدأ " أنا مختلف ، لذا سألمع باختلافى " ، فكن ذلك الشخص المتغير اللاروتينى ، كن ذلك الشخص الذى يبحث عن " كيف يغير العالم ، كيف يطور من مهاراته ، كيف يصبح متعلماً و مثقفاً فى آن واحد ، كيف يصبح طبيباً أو مهندساً أو كاتباً و مطوراً للمجتمع بعلمه أو ثقافته فى آن واحد.
خلقنا الله مختلفين لذا كن صاحب البصمة باختلافك ..
No comments:
Post a Comment