ربما يعجب البعض لما سأقول الآن و لكنى و بلا شك صاحب تناقضات فِكرية عديدة ، أنا الذى يضحك أحيانا استهزاءً بهؤلاء الذين يكتبون بطريقة سخيفة عن الحُب و النساء أو البنات و قد يكون له نفس الرغبة فى التعبير عما فى قلبه بذلك الأسلوب السخيف ، أنا الذى صارح إحداهن ، برغم عدم اقتناعه بما يُدعى حب المراهقين ، و هى كانت على علم بذلك ، فما كان لها سوى أن تضربه على رأسه ضربة الاستفاقة من تلك السخافات الذى ادَّعى صحتها فى غفلته و هى تناديه : أفيق و استقم و عُد إلى ما كنت عليه .
أنا الذى يكتب 'لا فروقٍ اجتماعية فى الحب' و هو أكثرهم نظراً لتلك الفروق ، فليست كُل من تشاهد تلك الأفلام التى تصور الحياة و كأنه وردية اللون لا شرَّ فيها تطبق نظريات تلك الأفلام أو أهدافها على أرض الواقع ، فأنا ذلك الرجل متوسط الحال الذى يعلم أنه لن ترضى به سوى تلك المتوسطة الحال مثله ، و إن تعالى على مستواه و نظر إلى أكثرهن جمالاً فكانت بالصدفة أكثرهن مالاً ، سيهبط إلى القاع بلا رجعة حتى لو تمكن من الوصول إليها ، فأعظم الشراكات لا تتحقق إلا عندما يصعد الشريكان من نفس المستوى الإجتماعى إلى مستوى أعلى.
أنا الذى يحتقر المال و هو فى حاجة إليه ، فالمال وسيلة تبتاع بها و تشترى السلع ، و لكنها اليوم أصبحت وسيلة تبتاع و تشترى بها أشخاص لتتاجر بقدراتهم أو تختار بها شريكاً لحياة لابنك أو ابنتك ، فالرياضة تحولت من وسيلة ترفيه إلى وسيلة لجمع المال ، فأحلام كل فرد فينا أن يصبح لاعباً مشهورا تنبعث من الرغبة فى جمع الأموال ، فقد أصبح فى تلك الدنيا من يصل ثمن شرائه لنادى يلعب الكرة إلى ١٠٠ مليون يورو ، مبلغ كفيل بكفالة مدينة كاملة بمن عليها من سكان يتقاضاه من يُطلق عليه فى النهاية شخص " يلعب"، و مع ذلك فأنا الذى فى حاجة إلى المال حتى يشترى لنفسه الكرامة التى تسمح له الزواج من تلك التى لا تنصرف عن مخيلته ، فكيف السبيل إلى الوصول فى تلك البلد الظالم أهلها نفسها إلى الزواج ، و هى أبسط حقوق المرء ، دون وجود الكثير من المال ؟ و كيف تجمع المال فى بلد تحتاج فيها لدفع الأموال كى تجمعها بعد عمر طويل ، فعندما أتحدث عن مهنتى أقول أن طبيب الأسنان يحتاج إلى مليون جنية على الأقل لبناء " عيادة " فى عام ، كى يجمع ذلك المبلغ من تلك العيادة فى عشر أعوام .
أنا الذى يُهاجم الإخوان حيناً و لكن قلبه لا ينفصل عنهم ، فأنا من قرأ للبنا فأخب فِكره و إبداعه فى تطبيق منهج الله فى جماعة صغيرة حتى تعيد دولة الإسلام و فتوحاتها فى دولة كبيرة ، ثم قرأ لسيد سابق فأعجبه أسلوبه فى فقه السنة ، ثم قرأ معالم فالطريق فأشفق على سيد قطب من الهجوم الحاد عليه نتيجة لنشوء بعد الجماعات المسلحة نتيجة لفهم البعض الخاطىء لمقدمة ذلك الكتاب ثم احتقر قادة تلك الجماعة و مُفكريها المعاصرين و لكنه ودَّ لو أن هؤلاء الشباب المنتمين لها يعودون بالجماعة لسابق عهدها ، أنا الذى يكره بلاده حيناً و يحبها حينا ، يرغب فى الارتقاء بنفسه لنفسه حيناً و يرغب فى خدمة خدمة وطنه من ارتقائه حيناً آخر .
أنا الذى يرغب فى الابتعاد عن الألفاظ النابية و ثلويث الأفمام بما لا يشتهى الآخرين سماعه و لكنه يشتم و يسب هذا و ذاك لأنه فى مجتمع فرض عليه هذه العادة القذرة التى تلوث شخصيته و تفسد سمعته أمام الآخرين ، فقد تراجع يوماً ما عن تلك العادة القذرة ثم عاد إليها ثم أفاق و ابتعد عنها ثم غفل و عاد إليها إلى ملَّ من السعى نحو الابتعاد عنها و لكنه يعاود التفكير دوماً و لا ييأس حتى لا يكفر بالرحمن يوماً .
أنا الذى يراه الناس إجتماعياً برغم انعزاله ، فالإجتماعية لا تعنى أن تكون معروفاً بقدر ما تعنى القدرة على التواصل بالشكل المطلوب ، فهناك من يعرفهم الآلاف و لكنهم فى عزلة تامة ، و قد يظنهم الناس سعداء و هم أتعس مخلوقات الله فى تلك الأرض ، لذا فأنا مُنعزل تعيس لا يبتسم إلا ليخفى همومه من موت أقاربه إلى أصدقائه إلى أمه إلى مشاكله مع عائلته وراء تلك الإبتسامة البلهاء ، و كثيراً ما أخفى أسراره لنفسه و لكنه اليوم أصبح يبوح بها لصديقٍ يظن فيه خيراً ، فصداقته خالدة كإسمه .
أنا متناقض يسعى للثبات و لن يثبت لأن الحياة ليست ثابته فى أسلوبها فكيف يثبت الأحياء فيها ، متناقض لأنه إنسان يسعى لتطبيق ما يقتنع به ، يعلم تمام العِلم أن من حوله كلهم متناقضين فى أفعالهم و لكنهم لا يحاولون الإفصاح عن ذلك خوفاً من التعرض للإهانة ، فهم يظنون أن التناقض فى تلك الدنيا عيباً و قد نسوا أنهم بشراً خُلق فيهم الخير و قد أحاطهم الشر يستمدون منه بعضه و يتركون الآخر ليتبادلوه مع ما استمدوه مستقبلاً .
No comments:
Post a Comment